استغلال الفسفاط وأثره في التشكّل المورفولوجي والتوسع الحضري لأمّ العرايس
حسن النصيري
(جامعة صفاقس)
الملخص
خلال أولى سنوات الحقبة الاستعمارية في تونس، تمكن البيطري والباحث الجيولوجي الفرنسي فيليب توماس (1843-1910) من اكتشاف مناجم الفسفاط في جبال الثالجة غرب قفصة. أدى ذلك إلى بداية تحوّل السكان من حياة الترحال المبنية على اقتصاد زراعي-رعوي هشّ، إلى الاستقرار بالاعتماد على الأنشطة المنجمية التي استقطبت الأيدي العاملة من الأرياف المجاورة، إلى جانب استقدام أخرى من داخل البلاد ومن خارجها. آنذاك، تكونت تجمعات سكانية قرويّة، ثمّ تطوّرت لتشكل مدنا صغرى، تميّزت بطبيعة إشغال غير متكافئ، خاصة بين الأحياء السكنية الأوروبية من ناحية وبقية الأحياء العمالية التي أقيمت على أساس الانتماء الجغرافي، من طرابلسية وسوافى ومراركة وغيرهم من العملة التونسيين. وتتنزّل دراسة مدينة أم العرايس الممتدّة وسط حوض فسفاط قفصة، جنوب غرب البلاد التونسية، في إطار مدن التعدين، إذ إنّها تعتبر ثالث المراكز التاريخية الرئيسية لتعدين الفسفاط بعد الرديف والمتلوي. فبعد أن تمّ سنة 1897 تأسيس شركة الفسفاط والسكك الحديدية بقفصة، وانطلاق أشغال مد خط سكة الحديد الرابطة بين المتلوي وميناء صفاقس، تمّ البدء باستغلال أول منجم باطني للفسفاط بالمتلوي سنة 1899، تلاه فتح منجم الرديف سنة 1903 ثم منجم أم العرايس سنة 1904. إذن، يمكن القول بأن نشأة مدينة أم العرايس وتطوّرها الحضري والاقتصادي والاجتماعي قد ارتبطا بشكل وثيق بالنشاط الاستخراجي الذي انطلقت في تأمينه شركة فسفاط وسكك حديد قفصة.
تقدم هذه المقالة تحليلا للدينامية المجالية لأم العرايس، كما تسلط الضوء على تأثيرات أنشطة التعدين على التنظيم الحضري، والتحولات الاجتماعية والمجالية، إلى جانب ما سجله الحوض المنجمي من توترات اجتماعية وآثار سلبية لازالت معالمها واضحة. وبالتالي، سنحاول النّظر في مدى تأثير الفسفاط في تشكل المدينة التي أنشأها. هذا ويبقى من المنتظر أن تظهر النتائج أنه رغم أهمية هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، إلا أنّ أم العرايس لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبطالة، وتدهور الموارد المائية، وإشغال مجالها وتنظيمه.